حرب أوكرانيا تعزز خطة “جزر الطاقة” الدنماركية

بدأت خطط الدنمارك لتصدير مصادر الطاقة المتجددة إلى شمال غرب أوروبا عبر جزر الطاقة في بحر الشمال وبحر البلطيق تبدو واعدة على نحوٍ متزايد بعد الدعم السياسي المتنامي لمعالجة أمن الطاقة والأسعار المتقلبة بسبب حرب أوكرانيا.

في 18 مايو وقع رئيس الوزراء الدنماركي والألماني والهولندي والبلجيكي على إعلان تنمية مشتركة لبحر الشمال باعتباره “محطة طاقة خضراء في أوروبا”، وهو نظام طاقة متجددة بحري يربط بين البلدان المذكورة آنفًا وقد يربط بلدانًا أخرى أيضًا. وأشار الإعلان إلى أن الدول الأربع مجتمعة تهدف إلى الوصول إلى طاقة إنتاجية قدرها 65 جيجاوات من طاقة الرياح البحرية بحلول عام 2030، مقارنة بنحو 15 جيجاوات من الطاقة الإنتاجية الحالية، ليرتفع إنتاج الطاقة بعد ذلك إلى 150 جيجاوات على الأقل بحلول عام 2050.

ومن العوامل الرئيسية لتحقيق ذلك “جزر الطاقة” المقترحة قبالة سواحل الدنمارك، مع خطط تشمل جزيرة اصطناعية واحدة على الأقل في بحر الشمال ومشروعًا واحدًا في جزيرة بورنهولم الحالية في بحر البلطيق. وستقوم الجزر بتوزيع الكهرباء – وربما أيضًا الهيدروجين الأخضر – التي تنتجها حدائق الرياح البحرية، على الشبكات والمستهلكين في شمال غرب أوروبا.

وأشار الإعلان المشترك إلى أن الدنمارك وبلجيكا اتفقتا على تركيب رابط مشترك هجين من بلجيكا إلى جزيرة الطاقة الدنماركية في بحر الشمال بحلول عام 2033. وعلاوة على ذلك، أشار الإعلان أيضًا إلى أن هولندا والدنمارك قد وقعتا على “إقرار وزاري” لتحليل إمكانية ربط جزيرة الطاقة الدنماركية المخطط لها في بحر الشمال بمركز للطاقة قبالة السواحل الهولندية.

وعلى خلفية أسعار الطاقة المتقلبة والمخاوف المتزايدة بشأن إمدادات الغاز الروسية، بدأت جزر الطاقة المخطط لها تبدو أكثر واقعية من ذي قبل. فهي ليست حلًا قصير الأجل لأزمة الطاقة، بل جزء من خطة لاستبدال الوقود الأحفوري بمرور الوقت.

ستعمل جزيرة بحر الشمال، المجهزة بمحولات كهربائية، على تجميع وتوزيع الكهرباء المنتجة بمقدار 3 جيجاوات من منشآت الرياح البحرية بحلول أوائل الثلاثينيات من هذا القرن، ثم يرتفع المقدار بعد ذلك إلى 10 جيجاوات بحلول عام 2040، وفقًا لما هو مخطط له. وفي الوقت نفسه، فإن مشروع بحر البلطيق في جزيرة بورنهولم أصغر حجمًا، إذ يستهدف الوصول إلى طاقة إنتاجية قدرها 2 جيجاوات بحلول عام 2030.

ويتمثل أحد الجوانب الرئيسية لجزر الطاقة في أن مزارع الرياح ستُقام على مسافة من الشاطئ أبعد مما هي عليه في مشاريع الرياح البحرية الأخرى.

أما بالنسبة لجزيرة بحر الشمال على سبيل المثال، فسيجري تركيب مزارع الرياح البحرية المحيطة بها على بعد 80 كم تقريبًا من ساحل ثورسميندي، بلدة في شبه جزيرة يوتلاند.

دعم سياسي قوي

صحيح أن الوقت لا يزال مبكرًا ويلزم إجراء الكثير من الدراسات قبل اتخاذ القرارات النهائية، لكن الحرب في أوكرانيا والمخاوف المتزايدة بشأن أمن الطاقة تعني أن المشاريع تحظى بدعم سياسي قوي.

قالت كريستين فان هيت إيرف غرونيت، مديرة في المجموعة الصناعية Green Power Denmark، في تصريح لغاز أوتلوك: “أنا على يقين من أن جزر الطاقة ستصبح واقعًا، قبل بضع سنوات لم أكن متفائلة كثيرًا، لكن خطة الربط بين الدول الأخرى بالإضافة إلى الحرب في أوكرانيا وأسعار الطاقة المتقلبة جعلت موقف المشروع أقوى. يتعلق الأمر بإنشاء طرق سريعة خضراء جديدة تمنح الدول الأوروبية فرصة لتصبح صديقة للبيئة ومستقلة عن الغاز الروسي.”

وستكون جزر الطاقة أكبر مشروع بنية تحتية على الإطلاق في الدنمارك، بتكلفة استثمارية تقدر بمبلغ 210 بلايين كرونة دنماركية (30.4 بليون دولار أمريكي)، وفقًا لما ذكرته غرونيت. ومن الشركات التي أعربت عن اهتمامها أورستد وأكسيونا وبوسكاليس وشركاء كوبنهاغن للبنية التحتية (CIP). وهناك أيضًا دعم قادم من الحكومة الدنماركية.

وتقول غرونيت: “إنه مشروع كبير ومعقد وستكون ملكيته مشتركة بين الدولة الدنماركية والكيانات التجارية، ولكن إذا قمنا بتقسيم التكلفة، فسيكون نصفها تقريبًا مرتبطًا بحدائق الرياح البحرية، وهي ليست بالجديدة ولكنها مجربة عمليًا، وسيجري تمويل هذا الاستثمار بالكامل من الكيانات الخاصة. الجديد هنا هو جزيرة الطاقة التي تمثل 5٪ من تكلفة الاستثمار، أما نسبة 45٪ المتبقية فتتعلق بالبنية التحتية الكهربائية التي تربط بين البلدان المختلفة.”

وقد اكتسبت الدنمارك قدرًا لا بأس به من الخبرة في الرياح البحرية، إذ قامت حتى الآن بالوصول إلى طاقة إنتاجية قدرها 2.3 جيجاوات. ومن المتوقع أن يكون للرياح البحرية دور جوهري في مساعدة الدولة على تحقيق هدفها المتمثل في خفض مستويات ثاني أكسيد الكربون بحلول عام 2030 لتصبح أقل مما كانت عليه عام 1990 بنسبة 70%.

وقال سورين لاسن، رئيس أبحاث الرياح البحرية والطاقة ومصادر الطاقة المتجددة في شركة وود ماكنزي، في تصريح لغاز أوتلوك: “إننا على يقين من أن جزر الطاقة هذه ستصبح واقعًا لأنها يجب أن تصبح واقعًا، وذلك من أجل تحقيق الأهداف الطموحة التي وضعتها الحكومات”.

وأشار إلى أن دول شمال غرب أوروبا لديها بالفعل حصة كبيرة من الطاقة المتجددة المتغيرة، ولكن جزر الطاقة التي تحول الكهرباء من الرياح البحرية إلى الهيدروجين الأخضر يمكن أن تمثل حلًا، وإن كان حلًا بعيد المنال قليلًا.

وأضاف لاسن: “إن التحدي يتمثل في الوقت؛ وذلك لأن جزر الطاقة هذه تضم عددًا من الابتكارات: مسارات تحويل الطاقة وتخزينها، وتأسيس جزر الطاقة نفسها حيث تقترح اتحادات الشركات طرقًا مختلفة، والروابط المشتركة، وهذه هي أبرز التحديات القائمة وليست كلها. وتتطلب هذه الابتكارات حلولاً تقنية وقانونية جديدة لتحقيقها، الأمر الذي قد يؤثر في مقدار الوقت المتاح”.

وقد أخذت الرياح، سواء البرية أم البحرية، تحل محل الغاز والفحم في مزيج الكهرباء بالدنمارك. ففي الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2022، انخفض استهلاك الغاز في الدنمارك بنسبة 30٪ مقارنة بنفس الفترة من العام السابق، وفقًا لإحصائيات وكالة الطاقة الدنماركية. وفي الوقت نفسه، أخذ إنتاج الرياح ينمو نموًا مطردًا عامًا بعد عام؛ إذ شكلت الرياح 61٪ من إمدادات الكهرباء في هذه الفترة، مقارنة بـ 43٪ في العام السابق. أما بخصوص إجمالي استهلاك الطاقة في عام 2021 فقد شكل النفط حوالي 33٪، والغاز حوالي 12٪، ومصادر الطاقة المتجددة حوالي 43٪.

More about

المزيد من المعلومات

Share this

شارك هذا